السيد محمد تقي المدرسي
35
من هدى القرآن
السوء في العذاب ، بينما يتعمق وعيه بعظمة نعم الله عليه يقول : إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ نعم إن طريق الحق مليء بالعقبات والمصاعب ، ولكنه الأفضل ما دام ينتهي إلى الجنة ورضى الله . [ 61 ] وكخلاصة لكل ما تقدم من ذكر الجنة والنار ، يؤكد القرآن بأن الهدف الصحيح ، الذي يجب على الإنسان العمل له ، هو الوصول إلى الجنة ، لأنها الهدف الأعظم الذي إذا حققه الفرد فقد فاز ، وإلا فهو لم يحقق شيئا ، قال الإمام علي عليه السلام : ( مَا خَيْرٌ بِخَيْرٍ بَعْدَهُ النَّارُ وكُلُّ نَعِيمٍ دُونَ الجَنَّةِ مَحْقُورٌ وكُلُّ بَلَاءٍ دُونَ النَّارِ عَافِيَةٌ ) « 1 » . ويقول تعالى : لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ . وقد نستوحي من التدبر في الآيات الكريمة : أن الإنسان يواجه في حياته نوعين من الضغوط : الأول : الضغط القادم من المجتمع المعاصر ، الذي يتجلى بصورة واضحة في قرين السوء ، فمثلا إذا عاش المؤمن في مجتمع يستخف بالصلاة فلا بد أن يتعرض لضغط هذا المجتمع باتجاه ترك الصلاة ذلك أن للمجتمع - أي مجتمع - قوة هائلة باتجاه التجانس معه ، وفرض قيمه الخاصة على أفراده بالتربية والتثقيف أو الترغيب والترهيب ، ولكن ما هو رأس الحربة في ضغط المجتمع على الفرد ؟ إنه الصديق ، إذ يكون حلقة الوصل بينه وبين سائر أبناء المجتمع . وهكذا ينبغي أن يصمد الإنسان أمام ضغوط أصدقائه وقرنائه ولو كان على حساب صداقتهم ، فهذا أبو ذر رضي الله عنه يقول بالرَّبذة : ( مَا تَرَكَ الحَقُّ لِي صَدِيقاً ) « 2 » . [ 62 ] الثاني : الضغط القادم من الأجيال السابقة ، ويتجلى هذا الضغط بصورة مركزة في الأب ، ذلك أن الإنسان لا يرى الأجيال السابقة ولا التاريخ الماضي ، ولكن ذلك يصله عبر أبيه . ويبدو أن القرآن - حتى الآية السابقة - حدثنا عن الضغط الأول ، أما بقية الآيات من هذا الدرس فهي إشارة إلى الضغط الآخر ، يقول تعالى : أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أي الجنة التي هي عاقبة المؤمنين المخلصين . أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ التي هي عاقبة المكذبين ؟ ! وكأن القرآن بهذا التساؤل الذي جاء بعد عرض العاقبتين ، يخيِّرنا بين الجنة والنار ، بإثارة تفكيرنا نحو الإجابة عن هذا التساؤل ، أما عن معنى شجرة الزقوم ففيه تفسيران : الأول : أن قريشا لما سمعت هذه الآية ، قالت قريش : ما نعرف هذه الشجرة ، فقال أبو جهل لجاريته : يا جارية ! زقمينا . فأتته الجارية بتمر وزبد ، فقال لأصحابه تزقموا
--> ( 1 ) الكافي : ج 8 ، ص 22 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 31 ، ص 179 .